مصطفى عاشور

يظن الكثير أن القديم كله شر وعبء، وأن التخلص منه يخفف الأحمال، ويتيح انطلاقاً جديداً، ولعل تلك النظرة السلبية لكل ما هو قديم ترافقت مع الصدمة الحضارية التي تعرض لها الشرق مع نهايات القرن الثامن عشر، تلك العقود التي شهدت صراعاً حاداً بين القديم والوافد، في أغلب مجالات الحياة والفكر، وكانت الأسرة أحد ميادين ذلك الاشتباك.

الأسرة الممتدة كانت السمة الغالبة في الشرق، ونقصد بها أسرة لا تكتفي بالوالدين والأبناء، ولكن تشمل دوائر أوسع من الأقارب عبر أجيال ممتدة، مثل الأجداد والأعمام والأخوال وأبناء العمومة؛ أي أن الفرد كان يعيش في محيط عائلي متسع لا يقتصر على جدران أسرته الصغيرة، ولكن يمتد لمساحة العائلة الكبيرة.

ورغم أن هذا النوع من الأسر كانت له سلبيات، لا يمكن إنكارها، مثل غياب الاستقلالية في كثير من قرارات الفرد، وزيادة تدخل العائلة في الشؤون الخاصة، وما يترب عليه من أزمات، بفعل أن القرار فيها قد يحتكره كبار السن أو ذوو النفوذ في العائلة أكثر من الشخص ذاته، فإن تلك الأسرة كان لها جوانب ذات إيجابية عالية، فقد كانت محيطاً من الأمان النفسي والاجتماعي يحقق المساندة والدعم، وكانت خزاناً للتقاليد والقيم التي يتوارثها الفرد ويحتكم إليها ويخضع لمقتضياتها.

تراجع الأسرة الممتدة عالميا

أزمة تراجع دور الأسرة الممتدة لا يقتصر على الشرق ومنطقتنا العربية، ولكنه يرتبط بالتطورات التي شهدتها المجتمعات الإنسانية في ظل الحداثة والانتقال إلى صيغ وهياكل اجتماعية تختلف عما سبق، حيث أخذت الأسرة الممتدة في التراجع التدريجي لصالح الأسر النووية، فعمليات التمدن والانتقال من الريف، بما يشكله من وحدات اجتماعية متماسكة، إلى أطر مختلفة من السكن وعلاقات العمل، جعل الأسر ذات شبكات من العلاقات أصغر مما سبق، فحدثت تغيرات في الحجم والشكل والعلاقات والوظائف والأدوار للأسرة.

كما أن ضغوط المجتمع الحديث أدى إلى شيئين متناقضين أثرا بشكل سلبي على مفهوم الأسرة الممتدة، أولهما: التراجع المستمر في معدلات الزواج، وثانيهما: التصاعد المستمر في الطلاق، ودلالة ذلك أنه حتى مفهوم ودور الأسرة النووية نفسها أخذ يتراجع أمام تصاعد معدلات العزوبية والطلاق.

في دراسة ميدانية بعنوان «من هم المؤثرون في النمو المبكر للأطفال؟»، ذكرت أن كثيراً من الاهتمام البحثي منصرف إلى دراسة «الأسرة النووية»؛ أي الأسرة البسيطة التي تتكون من الوالدين والأبناء، دون إعطاء القدر الكافي من الأهمية للأسرة الممتدة، رغم أهميتها في تكوين الأبناء في المراحل المبكرة.

وذكرت الدراسة، التي أجريت في الولايات المتحدة، أن النتائج تشير إلى أن الأسرة الممتدة، التي تشمل الأجداد والأقارب، مفيدة للغاية في التطور المبكر للأطفال، وأوصت بضرورة توسيع مفهوم الأسرة بحيث لا تقتصر على الوالدين وشركائهما فحسب، ولكن تشمل كذلك الأسرة الممتدة.

وإذا أضفنا تأثيرات الرقمية على الحياة الإنسانية، سنلحظ تقلصاً في الأسرة الممتدة، فقد تسببت الرقمية في عزلة إنسانية لم يعرف لها الإنسان مثيلاً قبل ذلك، وهذه العزلة الرقمية أدت إلى تآكل مفهوم الأسرة النووية والأسرة الممتدة لصالح الفردانية، وتفضيل الاتصال الرقمي على التواصل الإنساني المباشر.

وفي ورقة بحثية عن تأثير تراجع دور الأسرة الممتدة على المجتمعات، نشرت في ديسمبر 2023م، بعنوان «توقعات القرابة البشرية لجميع البلدان»، توقعت أن يحدث تغير في شبكات القرابة على مستوى العالم، رغم أن القرابة ذات أهمية في دعم الشخص، فهي توفر دعماً غير رسمي حتى في أكثر الأنظمة التي تتمتع بشبكات رعاية اجتماعية متطور.

وحذرت الدراسة من مجموعة من التغيرات المقلقة، أهمها أن ازدياد عدد الأجداد والجدات في المستقبل القادم، قد لا يعني تقديم دعم مباشر للشخص، لأنهم سيكونون طاعنين في السن، نظراً لتأخر سن الزواج والإنجاب؛ وهو ما انعكس في التباعد العمري الكبير بين الأجداد والأحفاد، وهو ما يعني أن الأجداد لن يكون في مقدور غالبيتهم أن يقدموا الدعم في المستقبل، وربما يشكلون عبئاً، ولعل هذا ما يزيد من تآكل مفهوم الأسرة الممتدة نظراً لغياب بعدها النفعي في ظل سيطرة الرؤى المادية على المشهد الإنساني الحالي.

الأسرة الممتدة والتكافل

يجب توسيع مفهوم التكافل حتى لا يقتصر على الجوانب المالية فقط، ولكن يشمل أيضاً الجوانب العاطفية، نظراً لأن دور الأسرة الممتدة حاضر وفعال في حياة الإنسان معاشياً ونفسياً وعاطفياً.

وفي دراسة هندية نشرت في يوليو 2025م، حيث تشكل الأسرة الممتدة نسبة كبيرة من المجتمع الهندي، ركزت الدراسة على الأسرة الممتدة في دعم الطلاب وخاصة في المرحلة الثانوية، وخلصت إلى أن دور الأجداد مهم للغاية في دعم هؤلاء الطلاب، نظراً لما يوفره الأجداد من دعم عاطفي وأمان نفسي لا سيما في ظل غياب الوالدين أو انشغالهما، وهذا الوجود من الأجداد يمنح الأبناء بما أسمته «شعور بالاستمرارية» لدور الوالدين في حياتهم.

وقالت الدراسة: إن الطلاب الذين يتلقون دعمًا منتظمًا من الأسرة الممتدة يتمتعون بمرونة عاطفية أفضل، وشعور أكبر بالانتماء.

وذكرت الدراسة السابقة أن الأبحاث تشير إلى أن الأعمام والعمات غالبًا ما يضطلعون بأدوار المرشد والمستشار غير الرسمي، وأنه يُنظر إليهم، غالباً، على أنهم أكثر سهولة في الوصول إليهم وأقل شبهاً بالوالدين؛ ما يسمح للمراهقين بالحصول على الدعم العاطفي دون الضغط الإضافي لتوقعات الوالدين.

والحقيقة أن الأسرة الممتدة كانت في أغلب الأحيان تحقق التكافل بين أبنائها، لدوافع متعددة، منها الحفاظ على شرف العائلة من أن تمتد أيدي بعض أبنائها للآخرين وهو ما يخدش مكانتها في المجتمع؛ لذا كانت توفر قدراً من التكافل، حتى ولو في حدوده الدنيا التي تكفل مستوى مقبول من الحياة، ومعنى هذا أن تلك الأسرة كانت تتحمل أعباء مهمة بعيداً عن جهاز الدولة ومنظوماتها الاجتماعية في التكافل الاجتماعي، وكانت تلك الأسرة الممتدة أكفأ في تحقيق هذا التكافل لما تمتلكه من معرفة كاملة عن الشخص.

والواقع أن الأسرة الممتدة تعد ذات نفع كبير على المستوى التربوي والإنساني والعاطفي والتكافلي، رغم وجود بعض السلبيات التي لا تستوجب تفكيكها، لكن وللحقيقة، فإن ما يمكن أن نسميه بالتفكيك الممنهج للأسرة الممتدة، قد لا تستطيع نظرية المؤامرة أن تجزم بوجوده، ولكن الدراسات الاجتماعية في الكثير من دول العالم تؤكد أن هذا المفهوم يتراجع حتى ليس لصالح الأسرة النووية، ولكن لصالح الفردانية التي تترسخ في الوعي الإنساني بصورة مقلقة وخطرة للغاية.

فالتحولات التي ترافقت مع الحداثة والعصرنة كانت عميقة في تكوين المجتمعات، واتخذت موقفاً مناهضاً لكل ما هو قديم بما فيه هيكل الأسرة الممتدة، بعدما أخذت الدولة الحديثة تستحوذ على الكثير من أدوار الأسرة الممتدة، كما أن الضغوط الاقتصادية والتحولات الاستهلاكية جعلت الأسرة الممتدة عبئاً، وبخاصة مع انتشار روح الاستقلالية وتراجع القيمة التي كان يحظى بها كبار السن في المجتمعات.

ما الفرق بين خجل الطفل وضعف شخصيته ؟ كيف أوازن بين تربية ولدي على التسامح وعدم تضييع الحق؟! أفكار عملية لمختلف المراحل.. كيف نرسّخ عقيدة أبنائنا حول فلسطين والأقصى؟ انكفاء النُّخب والقيادات الدعوية معرفة أحوال المدعوين.. طريق المربي للدعوة على بصيرة